لطالما كانت صورة الجد المعلقة فوق جدار قاعة الاستقبال في بيت العائلة مثار اهتمام (يحيى) الصغير ، حيث كان يستفزه الشريط الأسود على حافتها اليسرى فيزيد من الأسئلة و يلح في طلب الإجابة ، و حين يأتيه جواب جدته المسنة : حبيبي .. سافر جدك إلى السماء ..يتعجب و يزيد فضوله في معرفة كيف السبيل يكون إلى السماء !! فتكتفي الجدة بدمعة ساخنةيستمر مذاقها المالح تذكارا ً فوق شفتيها ، حينها يكف عن تكرار السؤال و يتجه إلى أمه ليعيد السؤال عليها فتجيب بابتسامة زائفة : حين يهرم الإنسان يسافر إلى السماء ، ظل السؤال عالقاً في ذهنه إلى أن جاء يوم ، و آنست صورة أبيه صورة الجد على الجدار مكللة بشريط أسود مما جعل الصغير يزداد حيرة حين سأل والدته عن سر الشريط الأسود فوق صورة والده و كان الجواب مستعارا ً من جواب الجدة التقليدي: حبيبي .. سافر أباك إلى السماء ..لم يكن الجواب كافيا ً تلك المرة فكيف ذهب الأب إلى السماء دون أن يهرم ؟!، ظل السؤال حائراً فوق شفتيه و النساء المتشحات بالسواد يملأن البيت على مدى ثلاثة أيام متتالية يترحمون و يبكون ، حتى جاء اليوم الرابع و قد عقد الصغير العزم على سؤال أمه من جديد : كيف سافر بابا إلى السماء قبل أن يهرم ؟،اكتفت الأم بدموعها كرد تلقائي بينما ظل حائرا ً قلقا ً من سؤال بلا إجابة ،خاف الصغير من السماء التي خطفت أباه و جده إلى أن لاحظت جدته أنه يتحاشى النظر إلى السماء ، فدخلت إلى غرفته و فتحت باب الشرفة و تمددت على الأرض و طلبت منه أن يجاورها فاقترب متحاشيا ً النظر إلى ضوء السماء القادم عبر الشرفة إلا أنه نام إلى جوارها متفاديا ً مساحات الضوء المنعكسة على أرض غرفته ، داعبت خصلات شعره و بدأت في سرد أحاديث الفردوس و حكايات النعيم و متعة السفر إلى السماء،و كيف سعد جده حين علم باقتراب صعوده إلى السماء و كذلك أباه حين باغتته الدعوة للسفر عبر السماء و هو عائد من رحلة عمله ،اطمأن بعض الشيء و بدأ يقترب و يتلمس الضوء المنعكس و يرفع عينيه إلى السماء فباغتها بسؤاله : و كيف تلقوا تلك الدعوة ؟صمتت قليلا ً ثم أجابت بصوتها المتهدج الرخيم : كلنا سنسافر إلى السماء في يوم ما .تابع سؤاله بآخر : متى سأسافر ؟، تسللت دموعها في تلك اللحظة فانزعج الصغير و راح يمسح الدموع عن وجهها المضيء إلا أن الدموع توقفت فجأة و بردت جبهتها على نحو ملحوظ فناداها الصغير و لم تجب كرر النداء و لا إجابة .. جاءت أمه على صوت صراخه و اكتشفت أن الجدة سافرت هي الأخرى إلى السماء !، في اليوم التالي كانت صورة الجدة تتوسط الصورتين و الشريط الأسود يتكرر للمرة الثالثة في حياة الصغير،مضى نحو عام و الصغير حريص على تلميع زجاج البراويز و تنظيف الأشرطة السوداء و الحديث إلى الصور إلى أن لاحظت أمه ذات يوم صورته إلى جوار الصور و عليها شريط أسود فانزعجت و صرخت : من فعل هذا بصورة (يحيى) ..و بدأت في البكاء إلى أن جاءها صوته الصغير مجيبا ً : أنا من فعلها ،و حين استفهمت عن السبب أجابها بصوت خفيض مرتعش لا يخلو من الألم : سأسافر غدا ً إلى السماء .. اشتقت إليهم فهل تتبعيني ؟؟بكت الأم بحرقة و رفضت أن ينام بعيدا ً عنها في تلك الليلة ، احتضنته و ضمته إلى صدرها إلى أن أشرق النهار و داعب ضوء الشمس وجهها عبر النافذة ، هزت رأسه الصغير بحنو بالغ إلا أنه لم يجبها ، لقد سافر بالفعل إلى السماء !!!الأحد، 3 فبراير 2008
مسافر إلى السماء
لطالما كانت صورة الجد المعلقة فوق جدار قاعة الاستقبال في بيت العائلة مثار اهتمام (يحيى) الصغير ، حيث كان يستفزه الشريط الأسود على حافتها اليسرى فيزيد من الأسئلة و يلح في طلب الإجابة ، و حين يأتيه جواب جدته المسنة : حبيبي .. سافر جدك إلى السماء ..يتعجب و يزيد فضوله في معرفة كيف السبيل يكون إلى السماء !! فتكتفي الجدة بدمعة ساخنةيستمر مذاقها المالح تذكارا ً فوق شفتيها ، حينها يكف عن تكرار السؤال و يتجه إلى أمه ليعيد السؤال عليها فتجيب بابتسامة زائفة : حين يهرم الإنسان يسافر إلى السماء ، ظل السؤال عالقاً في ذهنه إلى أن جاء يوم ، و آنست صورة أبيه صورة الجد على الجدار مكللة بشريط أسود مما جعل الصغير يزداد حيرة حين سأل والدته عن سر الشريط الأسود فوق صورة والده و كان الجواب مستعارا ً من جواب الجدة التقليدي: حبيبي .. سافر أباك إلى السماء ..لم يكن الجواب كافيا ً تلك المرة فكيف ذهب الأب إلى السماء دون أن يهرم ؟!، ظل السؤال حائراً فوق شفتيه و النساء المتشحات بالسواد يملأن البيت على مدى ثلاثة أيام متتالية يترحمون و يبكون ، حتى جاء اليوم الرابع و قد عقد الصغير العزم على سؤال أمه من جديد : كيف سافر بابا إلى السماء قبل أن يهرم ؟،اكتفت الأم بدموعها كرد تلقائي بينما ظل حائرا ً قلقا ً من سؤال بلا إجابة ،خاف الصغير من السماء التي خطفت أباه و جده إلى أن لاحظت جدته أنه يتحاشى النظر إلى السماء ، فدخلت إلى غرفته و فتحت باب الشرفة و تمددت على الأرض و طلبت منه أن يجاورها فاقترب متحاشيا ً النظر إلى ضوء السماء القادم عبر الشرفة إلا أنه نام إلى جوارها متفاديا ً مساحات الضوء المنعكسة على أرض غرفته ، داعبت خصلات شعره و بدأت في سرد أحاديث الفردوس و حكايات النعيم و متعة السفر إلى السماء،و كيف سعد جده حين علم باقتراب صعوده إلى السماء و كذلك أباه حين باغتته الدعوة للسفر عبر السماء و هو عائد من رحلة عمله ،اطمأن بعض الشيء و بدأ يقترب و يتلمس الضوء المنعكس و يرفع عينيه إلى السماء فباغتها بسؤاله : و كيف تلقوا تلك الدعوة ؟صمتت قليلا ً ثم أجابت بصوتها المتهدج الرخيم : كلنا سنسافر إلى السماء في يوم ما .تابع سؤاله بآخر : متى سأسافر ؟، تسللت دموعها في تلك اللحظة فانزعج الصغير و راح يمسح الدموع عن وجهها المضيء إلا أن الدموع توقفت فجأة و بردت جبهتها على نحو ملحوظ فناداها الصغير و لم تجب كرر النداء و لا إجابة .. جاءت أمه على صوت صراخه و اكتشفت أن الجدة سافرت هي الأخرى إلى السماء !، في اليوم التالي كانت صورة الجدة تتوسط الصورتين و الشريط الأسود يتكرر للمرة الثالثة في حياة الصغير،مضى نحو عام و الصغير حريص على تلميع زجاج البراويز و تنظيف الأشرطة السوداء و الحديث إلى الصور إلى أن لاحظت أمه ذات يوم صورته إلى جوار الصور و عليها شريط أسود فانزعجت و صرخت : من فعل هذا بصورة (يحيى) ..و بدأت في البكاء إلى أن جاءها صوته الصغير مجيبا ً : أنا من فعلها ،و حين استفهمت عن السبب أجابها بصوت خفيض مرتعش لا يخلو من الألم : سأسافر غدا ً إلى السماء .. اشتقت إليهم فهل تتبعيني ؟؟بكت الأم بحرقة و رفضت أن ينام بعيدا ً عنها في تلك الليلة ، احتضنته و ضمته إلى صدرها إلى أن أشرق النهار و داعب ضوء الشمس وجهها عبر النافذة ، هزت رأسه الصغير بحنو بالغ إلا أنه لم يجبها ، لقد سافر بالفعل إلى السماء !!!مسافة

حشد من النمل
و رأسي فوق الجسر المائل
استند على شرر الماء
يحترق الشهد
يشتعل المدى
يزدحم المكان بالأصفر القاني
انتظر... فانتصر
على لدغات مستترة
يحك جلدي اظفر سادس
من شمس و مطر و انتحاب
من طفل راح يلهو في السديم
و في السراب
و بالتراب
مدن زجاجية الغمام
تظلل مدينتي الوهمية
الهلامية
الثلجية
الأرجوانية
ابحث منذ صباح الأمس
عن كوخ خشبي
يسع صغار البوم
و يتسع لمزيد
من أيتامها
سأقتلها إذا ما عاودت
صفق جناحيها بمقدمة أفكاري
لأنتهي بقصيدة بكاء
أو قصة مبتورة إلي شطرين
لرجل مقسوم إلى نصفين
و وجهين
و قلبين
لو تأتي كل عناصر دمي
و تسفحه و تسفحني
و تترجم كل خلاياه الراكضة نحوي
لو تبتلع الشمس بقايا البرد المتكلس
فوق عظامي
و تحت لساني
و بين الشفتين
سأنطلق بعيدا عن أرض الأفعى
و عن طاووس المهجر
و أقرر شطب استحقاقاتي
لدى الإنس
لدى الجان
لدى عفريت المحجر
سأعاود أحلام سكارى الحانة
في شرب مزيد من ماء البلح
و العنب
و التفاح
بعيدا عن فوحها الكحولي
نقية إلا من فاكهة تسعى للجنة...
تسقيني الماء الراكض فوق البحر
و الملح يشقق شدقي ّ
فأفيق على وقع الوجع
بين أصابع تسعى فوق بيانو بائعة الورد
ستعزف حتى يأتي صباح أزرق
يلهو خلف حدود الصيف
و بين فصول الدوران
لا يختار التوقيت الصيفي
و لا الشتوي
يكفيه الرمل النازل من ساعات الفرعون
و فرجار رجل الإحصاء الهندي
سيعود الديك يصيح على أطلال الفجر
و المئذنة تبشر بصلاة أخرى
فليتوضأ و يتابع سير القدم إلى المسجد
و ليترك كل الأوهام
كل الأحلام
كل الأهوال
و يسجد لإله واحد....
رجل رأى موته مرتين

لم ينتبه كثيرا لانفلات الساعة من معصمه إلا بعد أن أحدثت ضجة تليق بحجم أربع و عشرين ساعة محبوسة بين عقربين، داستها أقدام عدة بأحذية متفاوتة الحجم و اللون و الوقع على الأرض لم يعبأ لاتساخها.. لتحطمها... لضياعها لم يعبأ إلا بعدد الأقدام التي لا تبصر ما تحتها عدد الرؤوس المشرئبة تتابع طابور من الشحاذين الصغار يعبر الطريق مستندة أذرعهم إلى أكتاف بعضهم فيما يشبه القطار المتماوج محدثين صفيرا ً كأجهزة الإنذار العتيقة تخترق بنيانهم قطط ضالة، قطعوا الشارع جيئة و ذهاب ألف مرة و الساعة مازالت تتهشم تحت أقدام المارة و صفيرهم يزداد علوا ً و تكرارا ً و الرؤوس تتابع المشهد، يبدأ نفير محطة القطار لتتوقف الحركة تماما منتظرة قدوم القطار يتجمد المشهد برمته صفير الشحاذين.. خطوات المارة....و كأنما على رؤوسهم الطير، أي طير هذا يصمد أمام الريح الذي يحمله القطار حين توحش و اجتاز المسافة ما بين الرصيفين و اجتاز جسده نعم اجتازه تماما ً و عبره بخطوتين!
بدأ المشهد يتحرك تدريجيا ما بين الهابطين من القطار و منتظريهم و الأكف تلوح و الساعة مازالت تتكسر تحت الأقدام و هو لم يبرح مكانه إلى جوارها، تفرق قطار الشحاذين ليتسابقوا في مد أيديهم العارية للمسافرين و العائدين بأتربة الطريق و اتساخ الغربة و رائحة الطعام المعبأ بالحقائب و زجاجات المشروبات الغازية المبتلة في أدل الباعة الجائلين و قبلات الاستقبال و التوديع، و هو يراقب الساعة و قد تلاشت ملامحها تقريبا..
وسط هذا الزحام تأكد أنه غير مرئي تجتازه كل الأجساد تعبره كغبار تخترقه كوهم برز فجأة، تذكر عجلات القطار حين داسته من قبل تذكر الساعة ذاتها حين انحنى يلتقطها من فوق القضبان الميتة على الأرض تذكر ميتته الأولى نعم هو مات من قبل مات هنا و تحت تلك القضبان و في مثل تلك الأثناء، لم يفكر في التقاط الساعة مرة أخرى،
الساعة كانت هديتها الأولى له و كان موعده معها على شريط المحطة، تكرر الأيام نفسها كما تتكرر هي الآن ، ها هي فتاته تنزل من القطار و تقبل بثوبها الأبيض مبتسمة بادلها الابتسامة حاول تحريك أقدامه والركض إليها... فشل و كأنما مغناطيس شده إلى الأرض...لكن فتى آخر كان يركض نحوها صافحها ... تأبط ذراعها و سار معها... صدمته المفاجأة كعجلات القطار .. تهاوى... مات من جديد، موتا ً مدهشا ً لرجل رأى موته مرتين
اتخنقت

اتخنقت ...
من كل أوضه في قلبي بتفتح عينيها
تفتح لصبح جديد شباك عليها
تدخل عصافير الشتا
و توزع الخبر الحزين
تخفي ملامح حزنها و الجوع بيكوي قلبها
تشرب القهوة اللي باتت فى الفناجين
الكتير فوق الكراسي ..
فوق الشبابيك اللى نامت
بين ايدين الدجالين
عمرك الليله اتقرى
هتروح في سكة مش طويله .. قصيره
تركب الخيل المسافر بين عينيها
تخطفك تقطف ورودك
تزرع الشوك اللي نابت بين خدودك
بستان حرير
أرقام كتير تاهت ما بين حلمك و تحقيق المصير
تركب طموحك يهلكك
تركب خسارتك تملكك
تركب حمول الدنيا فوق ضهرك تهدك ..
تحني خطوة بين قلبك و بين حلمك
تطول السما في لحظتين
تنزل على الأرض في أقل من الدقيقه
و تقول تاني اتخنقت..
.من قلبي و من أوضه اللي ضاقت على الحزن اللي ساكن أرضها
فوق الحيطان اللى دبل لونهاو شرخها الزمن
وقعت على الحلم اتكسر
دابت حدود الوحده فيها
عملت البيت الكبير
اللي سكنت الليلة فيه و غنيت "اتخنقت ".
السبت، 20 أكتوبر 2007
غرق في بحر اللون

في بحار الألوان غرق , الفرشاة في روحه و الألواح معلقة على شغاف فؤاده , كلما أساء الظن بالنهار تذكر جيداً ما تبقى له من إرث في هذي الأرض _يقين و سماء_
البحر أمامه و الأيام و مساحات الذكريات الفائتة تمتد لعدة فراديس وراء ظهره .
على طول المدى يرسم بحراً و شاطئ و انفراجه شفه وشهقة مكتومة , و اللون الأزرق يغزوه و يضرب في صمت أجنحة النوارس البيضاء فهذا هو موسم الهجرة و الشتاء و الشعر و الألوان و الشوق إليها و موسم النورس فكم من مرة ردد في همس : آه لو عُلِمتُ منطق الطير !!
ينتظرها بشغف العينين و القلب لتطل إليه من يبن ضرام الأمواج المتهافتة على اصفرار الشاطئ , يرسمها عروساً للبحر و حلماً ضارباً في الغرابة , ينحت في الذاكرة و في المخيلة المصمتة سلماً ربما يبلغ به أول نجمة معلقة في جو السماء.
ينظر طويلاً إلى لوحاته و يتأملها و يتمتم : هل تشبهها حقاً !!
ثم يجيب ذاته: لازالت اللوحة ينقصها بعض اللون .
ينتظر أن تطالع هي بنفسها اللوحة و ترى مدى التشابه بينها و بين الحقيقة إلا أنها لا تأتي و اللوحة لا تكتمل .
عامان و لم تأت منذ أن انسحبت إلى أجنحة النورس و خاضت غمار السماء تاركة وراءها الأرض و السراب و الأحلام و عاشق متيم بالعودة .
و يعاود الرسم من جديد فتمطر السماء وتختلط الألوان على وجنتيها فتبكي عيناها !!
فيعيد الرسم فتلفح الشمس جبهتها فتلمع صورته على سطحها فيري كم صار وجهه شاحباً !!
فيعيد ترتيب خصلات شعره و تهذيب شاربه و يرفع منظاره الطبي و يفرك رقاقة من النعاس عن أطراف جفونه , نفدت الألوان فاسترخى تحت الشمس ممدداً ينتظر أن تجود السماء بلون و مطر أو ينسحب هو الآخر عبر أجنحة النورس أو أن تأتي هي !!
و تحقق الاحتمال الثالث و عادت و عاد معها ألق الألوان و رمقت اللوحة بحزن عميق و قالت :
تأخرت كثيراً يا لهفي و ينقصك بعض الألوان فهمت و اعتصرت جدائلها لتمطر سواد اللون و قطفت ياسمينه من روحها لتكون بياضاً في اللوحة و جورية حمراء من شفتيها أودعتها خصلات شعره ...
انتفض يناجيها : أين أنت يا حبيبتي يا نبع اللون و الحياة !!
فلم يجبه سوى صدى صوته عبر الفراغ و الألوان و الجورية في شعره و ترداد صوتها : تأخرت كثيرا يا لهفي
تأخرت كثيراً
تأخرت
........
البحر أمامه و الأيام و مساحات الذكريات الفائتة تمتد لعدة فراديس وراء ظهره .
على طول المدى يرسم بحراً و شاطئ و انفراجه شفه وشهقة مكتومة , و اللون الأزرق يغزوه و يضرب في صمت أجنحة النوارس البيضاء فهذا هو موسم الهجرة و الشتاء و الشعر و الألوان و الشوق إليها و موسم النورس فكم من مرة ردد في همس : آه لو عُلِمتُ منطق الطير !!
ينتظرها بشغف العينين و القلب لتطل إليه من يبن ضرام الأمواج المتهافتة على اصفرار الشاطئ , يرسمها عروساً للبحر و حلماً ضارباً في الغرابة , ينحت في الذاكرة و في المخيلة المصمتة سلماً ربما يبلغ به أول نجمة معلقة في جو السماء.
ينظر طويلاً إلى لوحاته و يتأملها و يتمتم : هل تشبهها حقاً !!
ثم يجيب ذاته: لازالت اللوحة ينقصها بعض اللون .
ينتظر أن تطالع هي بنفسها اللوحة و ترى مدى التشابه بينها و بين الحقيقة إلا أنها لا تأتي و اللوحة لا تكتمل .
عامان و لم تأت منذ أن انسحبت إلى أجنحة النورس و خاضت غمار السماء تاركة وراءها الأرض و السراب و الأحلام و عاشق متيم بالعودة .
و يعاود الرسم من جديد فتمطر السماء وتختلط الألوان على وجنتيها فتبكي عيناها !!
فيعيد الرسم فتلفح الشمس جبهتها فتلمع صورته على سطحها فيري كم صار وجهه شاحباً !!
فيعيد ترتيب خصلات شعره و تهذيب شاربه و يرفع منظاره الطبي و يفرك رقاقة من النعاس عن أطراف جفونه , نفدت الألوان فاسترخى تحت الشمس ممدداً ينتظر أن تجود السماء بلون و مطر أو ينسحب هو الآخر عبر أجنحة النورس أو أن تأتي هي !!
و تحقق الاحتمال الثالث و عادت و عاد معها ألق الألوان و رمقت اللوحة بحزن عميق و قالت :
تأخرت كثيراً يا لهفي و ينقصك بعض الألوان فهمت و اعتصرت جدائلها لتمطر سواد اللون و قطفت ياسمينه من روحها لتكون بياضاً في اللوحة و جورية حمراء من شفتيها أودعتها خصلات شعره ...
انتفض يناجيها : أين أنت يا حبيبتي يا نبع اللون و الحياة !!
فلم يجبه سوى صدى صوته عبر الفراغ و الألوان و الجورية في شعره و ترداد صوتها : تأخرت كثيرا يا لهفي
تأخرت كثيراً
تأخرت
........
سيلويت

صباح آخر في مدينتنا ، و رصيف محطة القطار مزدحم بالغرباء ، أبصرته و معطفه الأسود الثقيل يخفي نصف وجهه و حذائه الشتوي ذو الرقبة المرتفعة كنهار معطل و حقيبته ترتجف تحت قفازه الأسود ، الطقس بارد و خامل فلا ريح تهز الغيمات فتمطر و لا هبة ساخنة من رياح الخريف تخمد هذا الصقيع ، أبصرته يعدو متجاوزاً كل الوقوف ، انفتحت حقيبته فجأة و انفرطت أسراره على الأرض !!
عشرات من الصور و اللوحات الصغيرة ، و صوت تكسر زجاج ، إنه برواز بلون الفضة المؤكسدة تفر من بين أنيابه صورة مرسومة بطريقة السيلويت ،لا أدري ما الذي دفعني للاقتراب منه و محاولة التقاط تلك الصورة بالذات على الرغم من أن جميع الواقفين لم يفكروا حتى في متابعته و هو يلملم أشياءه ، ناولته الصورة و تمكنت من رؤية وجهه على نحو صريح و دخان سيجارته يصطدم بوجهي ، سعلت على نحو منخفض ، فأنا أكره رائحة التبغ ، رأيت عينيه العسليتين من تحت منظاره الطبي الأنيق و شاربه و لحيته الدقيقة التي يغازلها الشيب ،لا أدري لماذا أدركت أنه ربما عازف بيانو أو رسام أو ربما روائي يعشق الكلاسيكيات فهيئته تشي بذلك ، " أسف آنستي .. لم أقصد مضايقتك بسيجارتي أشكرك على لملمة الصورة و أعتذر لما سببه لك البرواز من جرح " انتبهت إلى خيط الدم النازف من إبهامي و هم يحاول إيقاف النزف بمنديله الأزرق و شعرت باحمرار وجنتي الذي ربما تجاوز حمرة قطرات الدم التي غمرت المنديل ، و سارعت بالقول " لا عليك .. فقط أعجبتني الصورة و لم أتخيلها تطير مع هبة ريح خريفية ربما تأتي " ضحك بدهشة و قد تجمد الدم تقريبا في عروقي من فرط الخجل " الحمد لله .. توقف النزف الآن ، يمكنك الاحتفاظ بالصورة إن رغبت و لكن بعد تنفيذ الشرط " دهشت " أية شرط؟! " ، قال " أن يحوي البرواز صورة أخرى أكثر جمالا ً.. هل تسمحي لي برسم وجهك على طريقة السيلويت ؟! "
كانت الصورة التي يحويها البرواز لمقطع جانبي لوجه امرأة حسناء فباغتته بسؤالي " كيف أوافق على شرط لا أمتلك تنفيذه ؟! " ابتسم و تلاشت عيونه مع ارتفاع وجنتيه النحيلتين " فقط اجلسي لبعض الوقت دون حركة " امتثلت و بدأ برسم اللوحة و سيجارته على جانب فمه و غطت يقظتي في شرود يا ترى من صاحبة الصورة ؟! وكز شرودي بسؤاله :" يا ترى ماذا سنسمي الصورة !؟" أجبت دون تفكير :" دخان " . تعجب و رفع حاجبيه و خلع منظاره الطبي و توقف عن إتمام الصورة و كرر " دخان !!!" قلت :"نعم كتلك اللحظة ... كل اللحظات الحلوة أخالها دخان يتطاير بعد ثوان ٍ " تابع الرسم قائلا ً :" جميل جداً أن تتبخر تلك اللحظات فإنها إن تكررت لن تبقى في الذاكرة لحظة حلوة .. ستموت بالاعتياد .. انظري مثلا ً لتلك اللوحة التي بين يديك رسمتها منذ نحو عامين و أنا في مدينة أوروبية و بيني و بين أرضي ساعات من الغربة و الوجع كنت يومها في المشفى أتعافى ، و باغتتني تلك المرأة بزيارتها فأنا لا أعرفها و لم أرها من قبل ، و تركت باقة من الزهور إلى جواري دون أن تنبس ببنت شفة ، تكرر هذا المشهد ثلاثة مرات ، أستيقظ عند الصباح و أجد باقة الورد حتى انتظرتها ذات مرة و جاءت و سألتها و هربت و لم تأت ِ انتظرتها طويلا ً ثم سألت عنها الممرضة فأخبرتني أن تلك المرأة مات زوجها على ذات الفراش و قد اعتادت زيارة كل مريض يأتي إلى هنا و تهديه الزهور ، صدقيني تمنيت وقتها أن تعود و لكنها و حتى غادرت المشفى لم تأت ِ ، و حين تماثلت للشفاء و عدت إلى بلدي رسمتها دون أن تكن جالسة أمامي ، أخيرا ً هاهي لوحتك قد اكتملت .." نظرت إلى اللوحة إنها بالفعل صورة طبق الأصل لملامحي على طريقة السيلويت طلبت منه أن أحتفظ بها إلا أنه ذكرني بالشرط ، و في تلك الأثناء انطلق صفير القطار و غادر الرصيف و فاتتني الرحلة و هو ظل يبتعد و يغيب كالدخان ...
عشرات من الصور و اللوحات الصغيرة ، و صوت تكسر زجاج ، إنه برواز بلون الفضة المؤكسدة تفر من بين أنيابه صورة مرسومة بطريقة السيلويت ،لا أدري ما الذي دفعني للاقتراب منه و محاولة التقاط تلك الصورة بالذات على الرغم من أن جميع الواقفين لم يفكروا حتى في متابعته و هو يلملم أشياءه ، ناولته الصورة و تمكنت من رؤية وجهه على نحو صريح و دخان سيجارته يصطدم بوجهي ، سعلت على نحو منخفض ، فأنا أكره رائحة التبغ ، رأيت عينيه العسليتين من تحت منظاره الطبي الأنيق و شاربه و لحيته الدقيقة التي يغازلها الشيب ،لا أدري لماذا أدركت أنه ربما عازف بيانو أو رسام أو ربما روائي يعشق الكلاسيكيات فهيئته تشي بذلك ، " أسف آنستي .. لم أقصد مضايقتك بسيجارتي أشكرك على لملمة الصورة و أعتذر لما سببه لك البرواز من جرح " انتبهت إلى خيط الدم النازف من إبهامي و هم يحاول إيقاف النزف بمنديله الأزرق و شعرت باحمرار وجنتي الذي ربما تجاوز حمرة قطرات الدم التي غمرت المنديل ، و سارعت بالقول " لا عليك .. فقط أعجبتني الصورة و لم أتخيلها تطير مع هبة ريح خريفية ربما تأتي " ضحك بدهشة و قد تجمد الدم تقريبا في عروقي من فرط الخجل " الحمد لله .. توقف النزف الآن ، يمكنك الاحتفاظ بالصورة إن رغبت و لكن بعد تنفيذ الشرط " دهشت " أية شرط؟! " ، قال " أن يحوي البرواز صورة أخرى أكثر جمالا ً.. هل تسمحي لي برسم وجهك على طريقة السيلويت ؟! "
كانت الصورة التي يحويها البرواز لمقطع جانبي لوجه امرأة حسناء فباغتته بسؤالي " كيف أوافق على شرط لا أمتلك تنفيذه ؟! " ابتسم و تلاشت عيونه مع ارتفاع وجنتيه النحيلتين " فقط اجلسي لبعض الوقت دون حركة " امتثلت و بدأ برسم اللوحة و سيجارته على جانب فمه و غطت يقظتي في شرود يا ترى من صاحبة الصورة ؟! وكز شرودي بسؤاله :" يا ترى ماذا سنسمي الصورة !؟" أجبت دون تفكير :" دخان " . تعجب و رفع حاجبيه و خلع منظاره الطبي و توقف عن إتمام الصورة و كرر " دخان !!!" قلت :"نعم كتلك اللحظة ... كل اللحظات الحلوة أخالها دخان يتطاير بعد ثوان ٍ " تابع الرسم قائلا ً :" جميل جداً أن تتبخر تلك اللحظات فإنها إن تكررت لن تبقى في الذاكرة لحظة حلوة .. ستموت بالاعتياد .. انظري مثلا ً لتلك اللوحة التي بين يديك رسمتها منذ نحو عامين و أنا في مدينة أوروبية و بيني و بين أرضي ساعات من الغربة و الوجع كنت يومها في المشفى أتعافى ، و باغتتني تلك المرأة بزيارتها فأنا لا أعرفها و لم أرها من قبل ، و تركت باقة من الزهور إلى جواري دون أن تنبس ببنت شفة ، تكرر هذا المشهد ثلاثة مرات ، أستيقظ عند الصباح و أجد باقة الورد حتى انتظرتها ذات مرة و جاءت و سألتها و هربت و لم تأت ِ انتظرتها طويلا ً ثم سألت عنها الممرضة فأخبرتني أن تلك المرأة مات زوجها على ذات الفراش و قد اعتادت زيارة كل مريض يأتي إلى هنا و تهديه الزهور ، صدقيني تمنيت وقتها أن تعود و لكنها و حتى غادرت المشفى لم تأت ِ ، و حين تماثلت للشفاء و عدت إلى بلدي رسمتها دون أن تكن جالسة أمامي ، أخيرا ً هاهي لوحتك قد اكتملت .." نظرت إلى اللوحة إنها بالفعل صورة طبق الأصل لملامحي على طريقة السيلويت طلبت منه أن أحتفظ بها إلا أنه ذكرني بالشرط ، و في تلك الأثناء انطلق صفير القطار و غادر الرصيف و فاتتني الرحلة و هو ظل يبتعد و يغيب كالدخان ...
أنس الذي لم يأتِ بعد ...

السادسة صباحا ً على الشاطئ ، وحيدة تنتظر الطير و من بين كفيها يتقاطر الخبز الجاف و فتات الأحلام ، الشال الأسود على كتفيها يتدلى في يأس تأخذه الريح و تعيده و الطير حتى الآن لم يأت .. في كل صباح تشتهي القرب من الساحل بينما (أنس) يزداد نأياً و اقتراباً ، هي على الشاطئ بينما بصرها يتجاوز بوح الشطآن و أنس الصغير لا يأتي ، تخشى أن تنسى في يوم ما أن تحضر للطير فتاتا ً فيأكل من رأسها و يتحقق الحلم الكابوسي الذي حدث نصفه بالفعل ، منذ حوالي خمسة عشر عاما ً غرق أنس في ليلة صيف و حتى الآن لم تطفُ أشلاؤه !! قالت بعض نساء المدينة الغارقة في الملح أن عروس البحر قد التهمته و تقول أخريات أن النورس حمله معه إلى الشاطئ الآخر ، و أُخر يحكين عن من شاهدوا جسد أنس يطفو على الشاطئ المقابل ، تقف أم أنس على الشاطئ تنتظر العائدين في كل مساء بينما يتدلى مصباح صدئ من يمناها و تشير بيسراها للسفن المارقة القادمة من الشاطئ المقابل و تنادي :
يا راجع من الشط التانى
هات لي خبر من الغالي
قله البحر غدار و عالي
يسرق من الأرض عيالي
يتكرر الحداء في كل ليلة و لا أحد يجيبها ، كل الأطفال قد عادوا إلا أنس ، طلبت من نجار الحي أن يصنع لها زورقا ً يحملها إلى الشاطئ المقابل إلا أنه رثى لحالها و تعلل بافتقاره للأخشاب اللازمة و خبرها أن تأتي في الصيف التالي ، و في كل صيف تكرر طلبها فيخبرها أن الأشجار ما زالت ضعيفة و أخشابها هشة لن تتحمل عصف الأمواج فلتأت ِ في الصيف التالي ، خمسة عشر صيفا ً انتحرت في عمرها و لم تنضج الأشجار بعد و لم يأت أنس اللاشقيق له ، أنس الذي كان يبيت في حضن الليل على الشاطئ ينتظر أبا ً لا يأتي أبدا ًمنذ غاب في متاهة البياض قبل قدوم أنس إلى الحياة بأيام ،و أنس في كل صباح يسابق إلى الشمس من أجل ما يجود به البحر من أصداف تصنعها أمه حلى و عقود و تبيعها ،أنس الذي كان يحلم بكل شيء يحلم بجناحي نورس يرفعه إلى السماء و بقلب سمكه يغوص به إلى الأعماق ، كان يحلم بكل شيء إلا أحلام الحلوى و زهو الطفولة ،هي الآن مرهقة تستند على حافة قارب قديم نصف نائمة ، يباغتها صوت أنس يجلجل في فضاء الليل :
يمه النهاردة البحر بخيل
بياخد بس و لا يديش !!
يقترب الصوت أكثر و ترتسم صورة أنس أكثر وضوحا ً على صفحة عينيها ، بينما تهم لتلقاه بروح ظمأى تشتاق احتضانه ، يرحل الليل سريعا و يزيح الفجر ستار النصف منامة التي أغرقتها ، يجيء الصيادون إلى الشاطئ ببقايا رائحة النوم و شغف الصباح لتبدأ يوما ً جديدا ً من الانتظار و الحداء :
يا رايح للشط التاني
خد مني سلام للغالي
قله البحر بياخد يمه
بس في يوم راح ترجع تاني.
في كل مساء يباغتها أنس بصوته و أغنيته التي تتكرر و يوقظها زحف الصيادين على الشاطئ من أجل صباح آخر من الانتظار و الحداء ...
يا راجع من الشط التانى
هات لي خبر من الغالي
قله البحر غدار و عالي
يسرق من الأرض عيالي
يتكرر الحداء في كل ليلة و لا أحد يجيبها ، كل الأطفال قد عادوا إلا أنس ، طلبت من نجار الحي أن يصنع لها زورقا ً يحملها إلى الشاطئ المقابل إلا أنه رثى لحالها و تعلل بافتقاره للأخشاب اللازمة و خبرها أن تأتي في الصيف التالي ، و في كل صيف تكرر طلبها فيخبرها أن الأشجار ما زالت ضعيفة و أخشابها هشة لن تتحمل عصف الأمواج فلتأت ِ في الصيف التالي ، خمسة عشر صيفا ً انتحرت في عمرها و لم تنضج الأشجار بعد و لم يأت أنس اللاشقيق له ، أنس الذي كان يبيت في حضن الليل على الشاطئ ينتظر أبا ً لا يأتي أبدا ًمنذ غاب في متاهة البياض قبل قدوم أنس إلى الحياة بأيام ،و أنس في كل صباح يسابق إلى الشمس من أجل ما يجود به البحر من أصداف تصنعها أمه حلى و عقود و تبيعها ،أنس الذي كان يحلم بكل شيء يحلم بجناحي نورس يرفعه إلى السماء و بقلب سمكه يغوص به إلى الأعماق ، كان يحلم بكل شيء إلا أحلام الحلوى و زهو الطفولة ،هي الآن مرهقة تستند على حافة قارب قديم نصف نائمة ، يباغتها صوت أنس يجلجل في فضاء الليل :
يمه النهاردة البحر بخيل
بياخد بس و لا يديش !!
يقترب الصوت أكثر و ترتسم صورة أنس أكثر وضوحا ً على صفحة عينيها ، بينما تهم لتلقاه بروح ظمأى تشتاق احتضانه ، يرحل الليل سريعا و يزيح الفجر ستار النصف منامة التي أغرقتها ، يجيء الصيادون إلى الشاطئ ببقايا رائحة النوم و شغف الصباح لتبدأ يوما ً جديدا ً من الانتظار و الحداء :
يا رايح للشط التاني
خد مني سلام للغالي
قله البحر بياخد يمه
بس في يوم راح ترجع تاني.
في كل مساء يباغتها أنس بصوته و أغنيته التي تتكرر و يوقظها زحف الصيادين على الشاطئ من أجل صباح آخر من الانتظار و الحداء ...
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
